جيرار جهامي ، سميح دغيم

2140

الموسوعة الجامعة لمصطلحات الفكر العربي والإسلامي ( تحليل ونقد )

- الفن نوعان : فنّ يبتدئ بالمحسوسات لينتهي منها إلى ما وراء الحسّ ، فكأنّه يعالج مساحيق الزمان والمكان عارفا أن لا نفع منها إلّا للتخلّص من قيود الزمان والمكان . وفنّ ينشأ في المحسوسات ليفنى فيها ، جاهلا القصد من مساحيق الزمان والمكان . فكأنّه لا يلهو بها إلّا ليصبح واحدا منها . وممّا يؤسف له أشدّ الأسف أن أكثر فنون الناس من هذا النوع الذي كنت أدعوه عقيما لولا اعتقاد راسخ في ضميري أن الحياة أدرى مني ومنكم في تدبير بنيها ، وأن لا عقم فيها ، فهي كالأرض تحوّل كلّ موت إلى حياة ، وكلّ قذارة إلى طهارة ، وكلّ عقم إلى خصب . ( نعيمه ، البيادر ، 510 ، 14 ) . - أما الفن بشتّى فروعه - من موسيقى إلى تصوير ونحت وعمارة ، فهو وإن يكن في مجموعه انعكاسا لأذواق الجماعات البشرية التي تفرز تلك الفنون ، إلّا أنه يعود فيصبح مؤثرا قويّا في تشكيل وجهات النظر عند الأفراد ، أي في وقفاتهم الثقافية ، لماذا ؟ لأن الفن - على اختلاف فروعه - هو في صميمه نسب محسوبة بين العناصر التي تكوّنه ، ومن ثم كانت معايشة الإنسان للمبدعات الفنية المحيطة به ، لا بدّ أن تنتهي به إلى ميزان داخلي في تكوينه ، يجعله مستريحا لما يراه أو نافرا منه ، أي إنه يجعله قابلا لأوضاع الحياة من حوله أو رافضا لها ، أو بعبارة أخرى ، يجعله ذا وقفة ثقافية لها طابعها الخاص المميّز . ( زكي نجيب محمود ، قيم التراث ، 332 ، 8 ) . * في الفكر النقدي - كلا ، ليست مهمّة الفن في شتّى صوره أن « يحاكي الطبيعة » أو أن « يحكي » عن الإنسان ، لأنه عندئذ يكون صورة باهتة لأصل ناصع ، وفيم حاجتنا إلى الصورة وأصلها هناك قائم ؟ ليست مهمّة الفن في شتّى ألوانه أن « يكشف » عن حقيقة سبق وجودها وجوده لأن السابق عندئذ يكون متبوعا ثم يجيء الفن تابعا ، كلا ولا مهمّة الفن في شتّى قوالبه وأساليبه أن « يعظ » الناس كيف ينبغي أن يسلكوا في هذا الموقف أو ذاك ، لأن الواعظين على المنابر قائمون بأداء هذه المهمّة خير الأداء . ولكن مهمّة الفن هي أن « يخلق » و « يبدع » ، أن يخلق كائنا جديدا لم يكن له أصل سابق عليه لا في جوانب الطبيعة الخارجية ولا في حالات النفس الداخلية . نعم قد يتّخذ الفنّان من هذه وتلك عناصره ، كما يتّخذ من لغة التفاهم نفسها أدواته ، لكن الكائن الذي يبدعه من تلك العناصر وبهذه الأدوات ، لا بدّ أن يكون خلقا وإبداعا . ( زكي نجيب محمود ، فلسفة النقد ، 225 ، 21 ) . * تعليق * في الفكر النقدي - تميّزت لفظة الفن عند العرب بالصنعة والمهارة . إنه معرفة وصناعة كما يدلّ عليه مصطلح « فن التاريخ » عند ابن خلدون ، حيث يقف المؤرّخ بواسطته على أحوال الأمم الماضية ، ويدرس العمران والاجتماع محلّلا وجوههما ووسائل بنيانهما . فلا يعود الفن